الشيخ داود الأنطاكي
46
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
لا يعقل فعلم « الزردقة » يعني البيطرة والبزدرة « 1 » ، أو يخص النفوس العاقلة بهياكلها ؛ فان بحث عن أحوالها الظاهرة من حيث دلالتها على الأحوال الباطنة من عدو وسلامة وشجاعة وغيرها فعلم الفراسة ، أو يبحث عن مشاهدات النفس حال انفلاق الحواس عنها بالبخارات الخلطية الصحيحة وهو النوم ، فعلم تعبير الرؤيا ، أو يكون غاية النظر فيه إلى حفظ الصحة الحاصلة واسترداد الزائلة ودفع العوارض الممرضة فهو علم الطب ، فهذه خمسون علماً عقلية ، قد حررنا بحمد الله فيها الكتب المعتبرة والرسائل المبتكرة واستقصينا النظر فيها في التذكرة وأشرنا ههنا إليها اجمالا طلباً لتحريك الهمم الصادقة إليها ، وحصر الأصول المعول عليها ، فقيض اللهم لما ألهمتنا إلى تحريره نفساً دراكة ساميةً وهمةً صادقةً عاليةً لتتم المطالب وتبلغ المآرب . أو يكون العلم مقصود لغيره ، وهذا أيضاً مختلف كما مر . فإن كان موضوعه الكتب الإلهية المنزلة على الأنبياء لقصد التعبد بها فهو علم المصالح على الاطلاق ويسمى « السياسية السماوية وعلم الناموس الأعظم » . وهذا إن كان باحثاً عن ألفاظ كتاب من حيث رقمها فعلم الرسم ، أو من حيث النطق بها فعلم القراءات واللغة والاشتقاق ، أو عن المعاني وحدها فهو علم التفسير من حيث هو ، وفيه الاجمال والابهام والناسخ ونظائرها والعقائد والمواعظ والتصوف والأحكام الشرعية والفرائض والتعبير والاستنباط والطب إلى ما لا يحصى ، أو كان باحثاً عن المعاني والالفاظ معاً ، فهو علم الفصاحة والبلاغة والمعاني والبيان والبديع ووجوه الاعجاز . أو كان موضوعه السنة خاصة فعلم الحديث مطلقاً ، وهذا أيضاً إن كان باحثاً عن مجرد الالفاظ فعلم السنة واللغة كما مر ، أو عن المعاني فكذلك من غير فرق ، أو عنهما فعلم الأسماء أحوال الرواة وكيفية الاسناد وعلم التاريخ والإجازات والجرح والتعديل والقلب والدرج والتصحيف
--> ( 1 ) البَزْدرة : علم بأحوال ما يطير من الحيوان المقصود أصالة لنفع معتبر . وموضوعه في الأصل كل ذي جناح ؛ لأنه باحث عمّا به تصح أو يحفظ صحتها ، وعن كيفية اتخاذها واختيارها وسياستها . ( تذكرة أولي الألباب ج 2 ، ص 85 ) . )